الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
242
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عرفت ضعفه مما بيناه ثانيها ما أشار إليه المصنف بما قرره في المقام وتقريره على مقتضى ظاهر كلامه أنه لما كان وجوب المقدمة لأجل التوصل إلى ذيها ومن حيث إيصالها إليه من غير أن تكون واجبة لنفسها وفي حد ذاتها لم يصح القول بوجوبها إلا في حال إمكان التوصل بها إليه ليعقل معه اعتبار الجهة المذكورة وحينئذ فنقول إنه لا ريب أنه مع وجود الصارف عن المأمور به وعدم الداعي إليه لا يمكن التوصل بالمقدمة المفروضة إلى أداء الواجب فلا وجه حينئذ للقول بوجوب مقدمته فلا يكون حينئذ ترك الضد واجبا فإن أريد من الكبرى المذكورة في الاستدلال من أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وجوب المقدمة مطلقا ولو مع عدم إمكان التوصل بهما إلى الواجب فهي ممنوعة والسند ظاهر مما قرر وإن أريد بها وجوبها مع إمكان إيصالها ومن حيث كونها موصلة إلى ذيها فمسلم ولا ينتج إلا وجوب ترك الضد مع إمكان التوصل به إلى الواجب لا وجوبه مطلقا وقد عرفت أنه مع وجود الصارف وعدم الداعي لا يمكن التوصل بها إليه وأنت خبير بوهن ما ذكره إذ مجرد وجود الصارف لا يقضي باستحالة التوصل إليه لكون وجوده بقدرة المكلف واختياره ألا ترى أن سائر الواجبات الغيرية الثابت وجوبها بالنص إنما تكون واجبة من أجل التوصل بها إلى غيرها على ما هو مفاد الوجوب الغيري ومع ذلك لا قائل بسقوط وجوبها مع وجود الصارف وعدم الداعي إلى إيجاد ذلك الشيء كيف ولو صح ما ذكره من الخروج عن قدرة المكلف لم يكن عاصيا بترك نفس الواجب أيضا لسقوط وجوبه حينئذ بانتفاء القدرة عليه وهو واضح الفساد بل لزم أن لا يعصى أحد بترك شيء من الواجبات ضرورة أنها إنما يترك مع وجود الصارف عنها وعدم الداعي إليها والمفروض حينئذ امتناع حصولها فلا يتعلق التكليف بها وبالجملة أن هناك فرقا بين التوصل إلى الواجب بشرط وجود الصارف وعدم الداعي إليه في حال وجوده والممتنع إنما هو الأول دون الثاني والمفروض في المقام إنما هو الثاني دون الأول وذلك ظاهر ثالثها ما أشار إليه المصنف بقوله وأيضا فحجة القول بوجوب المقدمة إلى آخره تقريره أن ما دل على وجوب المقدمة إنما يفيد وجوبها من حيث كونها موصلة إلى الواجب لا وجوبها في حد ذاتها كما عرفت وذلك قاض بتوقف وجوبها على إرادة الواجب لعدم كون المقدمة موصلة مع عدمها فيكون إيجادها حينئذ لغوا والمفروض عدم إرادة الواجب حينئذ فلا يكون ترك الضد واجبا من جهة كونه مقدمة للواجب على نحو ما ذكرناه في الوجه الأول وضعفه أيضا ظاهر لوضوح انتفاء المانع من وجوب المقدمة من حيث إيصالها إلى الواجب ولو لم يكن مريدا لفعل الواجب إذ عدم إرادة الواجب لا يقضي بسقوطه فلا يسقط وجوب مقدمته فيجب عليه في حال عدم إرادة الواجب أن يأتي به ويأتي بمقدمته من حيث إيصالها إليه نعم لو لم يتمكن من إرادة الفعل ومن إيجاده في الخارج صح ما ذكر من عدم وجوب مقدمته إلا أنه لا يجب عليه الإتيان بذي المقدمة أيضا وهو خارج عن محل الكلام وما دل على وجوب المقدمة يعم ما إذا كان المكلف مريدا للإتيان بذي المقدمة أو غير مريد له فدعوى اختصاصه بالصورة الأولى فاسدة جدا كما لا يخفى على من لاحظها رابعها ما مرت الإشارة إليه في المسألة المتقدمة من أن ما دل على وجوب المقدمة إنما يفيد وجوب المقدمة الموصلة إلى ذيها دون غيرها بل مفاد المقدمة عند التأمل هو خصوص الموصلة إليه وإن لم يوصل دون غيرها حسبما مر بيانه وحينئذ فالمقدمة المجامعة للصارف وعدم الداعي ليست موصلة فليست بواجبة وحينئذ فقوله إن ترك الضد مقدمة لفعل الواجب إن أريد به خصوص ترك الضد الموصل إلى فعل المأمور به فمسلم وقوله إن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب إنما يقتضي وجوب ذلك ولا ربط له بما هو محل النزاع إذ قد عرفت أنه ليس موصلا إلى فعل الواجب وإن أريد به إن ترك الضد مطلقا مقدمة لفعل الواجب فإن سلم ذلك فلا نسلم وجوب المقدمة مطلقا بل ليس الواجب إلا خصوص المقدمة الموصلة ويمكن أن يجعل ذلك المناط فيما ذكره المصنف من الوجهين فكأنه لاحظ ذلك في تقييده وجوب المقدمة بكل من الأمرين المذكورين وإن لم يصرح به فيكون مرجع الوجهين المذكورين إلى أمر واحد وحينئذ فيقال في تقرير الوجه الأول أنه مع وجود الصّارف عن المأمور به وعدم الداعي إليه كما هو المفروض في المقام لا يمكن التوصّل بالمقدمة المفروضة إلى الواجب فلا يكون تلك المقدمة على الفرض المذكور موصلة إلى الواجب فلا تكون واجبة حسبما عرفت ولا يدفعه حينئذ إمكان ترك الصارف وإيجاد الداعي فيمكن أن يكون المقدمة حينئذ موصلة إلى الواجب إذ قضية ما ذكره وجوب المقدمة المجامعة لترك الصارف وإيجاد الداعي دون ما إذا كان غير مجامع لذلك لما عرفت من امتناع إيصالها حينئذ فلا تكون واجبة وإن أمكن ترك الصارف وإيجاد الداعي فتكون موصلة فإن ذلك مجرد فرض لا وجود له في الخارج أقصى الأمر إمكان أن يكون واجبة فهو فرض غير واقع فلا يتصف بالوجوب فعلا ليترتب عليه ما ذكر والحاصل أن وجوب كل من المقدمات حينئذ إنما تكون مع حصول البواقي وإذا فرض ترك واحد منها لم يكن شيء من المقدمات الحاصلة متصفا بالوجوب فكما يكون المكلف حينئذ تاركا لنفس الواجب يكون تاركا لما هو الواجب من مقدماته أيضا ومن ذلك يظهر الوجه في تقريره الثاني أيضا فإن المقدمة الجامعة لعدم إرادة الفعل ليست موصلة إلى الواجب فلا تكون واجبة لما عرفت من كون الواجب خصوص المقدمة الموصلة دون غيرها فليس إتيانه حينئذ بالمقدمة المفروضة مع عدم إرادة الواجب إتيانا بالمقدمة الواجبة بل هو تارك للمقدمة الواجبة ولذي المقدمة معا وحينئذ فما أورد عليه من إمكان حصول الإرادة حينئذ فتكون موصلة وما دل على وجوب المقدمة إنما ينهض دليلا على الوجوب في حال إمكان إرادة المكلف وإمكان صدور الفعل عنه فلا يشترط فعلية الإرادة في وجوبها مدفوع بنحو ما ذكر إذ لا يقول المصنف باشتراط فعلية الإرادة في وجوب المقدمة حتى يرد عليه ذلك بل إنما يقول بكون الواجب هو المقدمة الموصلة فإذا ترك الواجب فقد ترك المقدمة الموصلة إليها وإتيانه بغير الموصلة ليس إتيانا بالمقدمة الواجبة ولا تركه لغير الموصلة تركا للمقدمة الواجبة فترك الضد الصارف لعدم إرادة المأمور به لا يكون موصلا إلى المأمور به فلا يكون واجبا هذا غاية ما يوجه به كلامه لكن قد عرفت أن ما دل على وجوب المقدمة يفيد وجوبها مطلقا من حيث إيصالها إلى الواجب من غير أن تنقسم المقدمة بملاحظة ذلك إلى نوعين يجب أحدهما دون الآخر حسبما مر تفصيل القول فيه في بحث مقدمة الواجب فالحق أن ترك الضد في المقام واجب من حيث إيصاله إلى الواجب وإن لم تكن موصلة بالفعل لتسامح المكلف في أداء التكليف فإن ذلك لا يرفع الوجوب